محمد الريشهري

16

موسوعة معارف الكتاب والسنة

على أنّ ما يتداعى من الآية الكريمة : أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً « 1 » ، أنّ الإنسان وُهب من الداخل ( الباطن ) العقل والفطرة والقُوى الباطنية ، وزُوّد من الخارج بالوحي الذي جاء مُعيناً للعقل والفطرة ، وأنّ نظام التكوين سخّر للإنسان ما في السماء والأرض لكي يقطع المسار الذي حدّدته « الفطرة » و « العقل » و « الوحي » له ، وليستفيد من بركات ذلك كلّه ، ويوظّفه لتحقيق تكامله وبلوغ مقصد الإنسانية والكمال المطلق ولقاء اللَّه جلّ جلاله . يتّضح ممّا مرّ أنّ جميع القيم الاعتقادية والأخلاقية والعملية ، وكل ما هو مسخّر للإنسان في الأرض والسماء ، ينطوي على « الخير » و « البركة » . وإذا ما جاء في النصوص الإسلامية ما يصف عدداً من ضروب الأخلاق والأعمال الصالحة بأنّها خير ، وإذا ما سجّلت تلك النصوص بأنّ بعض الأمكنة والأزمنة والحيوانات والنباتات والأطعمة والأشربة تتّسم بالبركة ، فإنّ ذلك كلّه لا يعني نفي البركة عمّا سواها من الخصال الحسنة والأعمال الصالحة أو نزعها عن بقيّة الأمكنة والأزمنة وما إلى ذلك ، بل المقصود أنّ هذه تحظى بالبركة أكثر ممّا سواها . 5 . القيم المضادّة وزوال البركة كما أنّ منظومة القيم الاعتقادية والأخلاقية والعملية لها أثرها في إيجاد الخير وبزوغ البركة ، فإنّ القيم المضادّة تستلزم زوالها أيضاً . لكن ذلك لا يمنع أن يكون لبعض القيم المضادّة المناهضة للقيم الإيجابية دورٌ أكبر من غيرها في استئصال الخيرات واختفاء البركات ، كما هو الحال في سوء النيّة ، والخيانة ، وشرب الخمر ، والظلم ، والزنا ، وترك « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » ، ممّا سيأتي مفصّلًا في الفصل السادس عشر .

--> ( 1 ) . لقمان : 20 .